بينما يقلب الرئيس ترامب فى دفاتر رؤيته الاقتصادية القديمة يغزل منافسيه من الحزب الديموقراطي قصة انتخابية مثيرة و متجددة من خمس قضايا حساسة ، أولها الديون التى تجاوزت 40 تريليون دولار ، وارتفاع عوائد السندات لأجل 30 عاما ، التضخم فوق المستهدف المعلن ، ارتفاع متوسط فوائد الرهن العقاري لأجل 30 عام ، و آخرها ارتفاع أسعار الطاقة .
هذا المشهد الصاخب تتركز اضواءه و تفاعلاته على حركة عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل -30 عاما – التى وصلت مؤخرا إلى 5.33% كأعلى مستوى منذ عقدين ، و كذلك اختها الأصغر لأجل 10 سنوات عند مستوى 4.7% … لتطل أمام ذلك كله نظرية الاقتصادى الأمريكي Ed Yardeni المعروفة بحراس السندات و مفادها إن لم يرضى المستثمرين عن السياسة المالية للحكومة ، فإنهم لا يصوتون ضدها ، يمكنهم فقط بيع السندات.
الأسواق تراقب ثلاثى اضواء المسرح ” ترامب ، بيسنت ، وراش”
الاقتصاد قوى للغاية و ارتفاع الفوائد و العوائد مصطنع بشكل غريب ، هكذا قال الرئيس ترامب معطيا الإشارة لوزير خزانته سكوت بيسنت بالتحرك لمضاعفة إعادة شراء السندات الأمريكية من 2 إلى 4 مليار دولار لكل عملية فى الفترة من 9 سبتمبر إلى 4 نوفمبر … هنا ينتظر الجميع خطاب الجمعة 28 اغسطس فى مؤتمر جاكسون هول حيث تفسيرات رئيس الفيدرالي الجديد كيفن وارش لما يحدث فى اسواق السندات تحديدا ، و لعل أهم ما نقل عنه مؤخرا أنه لا يجب على الفيدرالى مقاومة ارتفاع العوائد طويلة الأجل التى قد تساعد فى خطط التشديد المالى و بالتالى السيطرة على التضخم .
مثلث ” الديموقراطي ، التايمز ، الجارديان ” يزداد جاذبية
على الضفة الأخرى و التى قد تسعرها الأسواق بأنها الأكثر واقعية يقف الحزب الديموقراطي على بعد شهرين من الانتخابات النصفية الأمريكية 3 نوفمبر القادم و فى يده اقوى الكروت الاقتصادية ضد ترامب الجمهورى الذى وعد بخفض الضرائب دون الضرر بالمالية العامة ، و حدث العكس مضيفا 3 تريليون دولار للدين العام فى فترته الثانية من اصل 4.7 تريليون دولار متوقعة جراء خططه الضريبية التى جعلت فوائد الديون ثانى أكبر بند فى الميزانية الفيدرالية ، و هو ما يبقى عوائد السندات 30 عاما فوق 5% و يرفع تكلفة التمويل بشكل كبير .
هذا بخلاف تكاليف المعيشة المستمرة بالارتفاع ، فالمواطن الأمريكى تتقلص قدرته على شراء منزل فى ظل متوسط فوائد الرهن العقاري عند 6.7% هو الاعلى فى ثلاثة عقود ، و كذلك استعادة نشاط التضخم و الظاهر فى الزيادات المتتالية فى أسعار الغذاء و الطاقة التى تجاوزت 30% منذ بدء الحرب على إيران فى ظل حروب تجارية متقطعة لم تجنى واشنطن المتوقع منها .
وعلى الجانب الشرقى من الأطلنطي ترصد صحيفة فايننشال تايمز البريطانية التحديات المتراكمة للاقتصاد الأمريكي فى ظل إدارة ترامب التى تفقد تدريجيا السيطرة على أسواق السندات بدافع من ديون قياسية ترفع من تكاليف كل شىء ، فالاقتصاد ينمو فعلا و لكن بمعدل أقل من تكلفة خدمة الدين ، و أرقام الاقتصاد الكلى تتحسن بالفعل و لكن بشكل أسرع كثيرا من تحسن الاقتصاد العام للطبقة المتوسطة تحديدا … و هو ما تستشعره الأغلبية و تسعره الأسواق بأنه مشكلة مالية متنامية فى الاقتصاد الأول عالميا و ليست مجرد اعراض دورية جراء نوبات من التضخم .
من زاوية أخرى أكثر إثارة تتسأل صحيفة الجارديان البريطانية ” هل تفقد السندات الأمريكية قوتها الفريدة كملاذ أمن للمستثمرين حول العالم ؟! ، و ذلك فى ظل النمو الهائل فى الديون و زيادة العجز و اللايقين حول مستقبل السياسة الاقتصادية الأمريكية … بل الأخطر من ذلك كله هو التغير التدريجي فى هيكل ملكية المستمرين فى السندات طويلة الأجل الذى يتحول من البنوك المركزية ذات العوائد الأقل لصالح الاستثمار الخاص من صناديق التقاعد و شركات التأمين و المستثمرين و آخرين أكثر حساسية للمخاطر و ألح طلبا لعوائد أعلى .
ختاما ، على اضواء ماسبق يبدو أن الاقتصاد الأمريكي يستعد لحقبة جديدة من التمويل مرتفع التكاليف و لموجة زرقاء ديموقراطية قد تسيطر على الكونجرس بمجلسيه ، و ذلك إن لم تتراجع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل خلال الشهرين القادمين إلى مستويات مريحة أقل من 5% – 30 عاما و 4.5% -10 أعوام … فهل يفعلها ترامب أم يجبره حراس السندات على الأمتثال لأوامر السوق ؟ … سنرى .
بقلم ، محمد مهدى عبد النبى
وسيط مالى معتمد بالبورصة المصرية









