فى عام 1987 صدر كتاب ” فن الصفقة ” لصاحبه دونالد ترامب الذى يعتبره ثانى أهم كتاب مفضل له بعد الكتاب المقدس ، و على مدار العقود الأربعة الماضية اثبت الرجل لنفسه و للآخرين صلاحية نظرياته الصاخبة ، بداية من فقاعة الضغوط القصوى ، مرورا بمهل زمنية مثيرة و قصيرة يعدلها فى اللحظات الأخيرة ، وصولا لإعلان الصدمة بقرار أو انتصار احادى الجانب مضخما لحلول عادية و مكاسب جزئية … و لكن هل يفلح نمط ترامب الآن فى حربه المفتوحة ضد إيران ؟!
أولا ، يمكن رصد عدة حالات شهيرة لهذا النمط المتكرر منذ عام 2017 حتى 2026 فى ملفات مختلفة أغلبها اقتصادية بنكهات إعلامية لاذعة ظهرت فى ولايته الأولى و اعيد إنتاجها بصور أكثر حدة فى ولايته الثانية ، و الأمثلة كثيرة …
منها مهلة 120 يوم لتعديل الاتفاق النووى مع إيران قبل تسع سنوات ثم الخروج منه و مسرحية المفاوضات فى اخر سنتين … بخلاف أزمات تمويل جدار المكسيك 2018 و رسوم واردات السيارت الأوروبية 2020 ، و حظر و بيع بعض شركات التكنولوجيا ، و كذلك مهلة 90 يوم للاتفاق التجارى مع الصين مطلع مارس 2019 و هو ما تكرر بعصبية أكثر فى حرب الرسوم الجمركية منذ ابريل 2025
ثانيا ، ينشط نمط ترامب دائما فى ظل وجود مثلث من ” الضغوط و الاستحقاقات الداخلية ، الخصم القابل للصفقة ، مفاوضات النهاية السعيدة لواشنطن ” … ليسلم كل منهما الآخر و يتلبد فضاء الاعلام بغيوم تصريحات ترامب الكثيفة و المتناقضة بين الترويج لكلام جرىء و تفاؤل مفرط و بين حقائق على الأرض لا تعكس ذلك غالبا … و على أوتارها يضارب الجميع كل حسب موقعه طالما الأمر بعيدا عن النار و الدم إلا فى ضربات خاطفة و على فترات قصيرة .
ثالثا ، يفقد نمط ترامب تأثيره فى مواجهة الخصم الحقيقى سواء كان ” أيديولوجيا مثل إيران ، أو استراتيجيا مثل الصين و روسيا ” … خصم يتمتع بثلاثية ” الصبر و التكيف مع العقوبات ، ملاعب وظيفية بديلة ، ادوات فعالة للضغط “
هنا يتحول نمط ترامب من أداة استراتيجية ناجحة مع الخصم القابل للصفقة إلى فقرة إعلامية تكتيكية قابلة للفشل أمام خصم حقيقى لا يشتهى وجبات الصفقات السريعة لترامب .
رابعا ، الجميع أصبح أكثر خبرة و ذكاءا بالفعل فى التعامل مع نمط ترامب ، فلا يمكن أخذه بجدية أو تجاهله تماما و لكن يمكن فهمه و احتوائه … يمكن ملاحظة ذلك فى نسب التحركات الفورية المضاربية لأسواق المال التى انتقلت من حساسية التأثر الجماعى فى ولاية ترامب الاولى الى التأثر الانتقائى المرن فى ولايته الثانية رغم ثقل الأحداث الجارية .
و القياس ينسحب على تفاعل الأطراف الدولية ذات الصلة مع فقاعات ترامب التى لم تفقد تأثيرها بعد لمكانة الولايات المتحدة ، و لكن تراجعت أهمية و فعالية و مصداقية التعاطى معها ، بل و هيئت السبل للإلتفاف عليها .
ختاما ، لن يتخلى ترامب بسهولة عن نمطه المخادع و المتأكل ، و لكن يسعى لترميمه و تطويره ، ربما عبر مقايضات و صفقات ضخمة و متشابكة مع أكبر خصومه ، فالاستراتيجي قد يحتوى الأيديولوجي مؤقتا قبل أن يتحدا ضده … و ربما عبر الإصرار على تحويل إيران من خصم أيديولوجي إلى خصم قابل للصفقة … أيهما أقرب و أسهل.
بقلم.. محمد مهدي عبد النبي









